المقريزي
85
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
ألف دينار ، وبنى في الجامع المذكور صهريجا عظيما ، وجعل ساقية على الخليج قريب باب الخرق تملأ الصهريج المذكور أيام النيل ، وجعل المجاري إليه ، وأقيمت الجمعة فيه في الأيام المعزية في سنة بضع وخمسين وستمائة بحضور رسول بغداد الشيخ نجم الدين عبد اللّه البادرانيّ ، وخطب به أصيل الدين أبو بكر الأسعرديّ ، وهي إلى الآن ، ولما حدثت الزلزلة سنة اثنتين وسبعمائة تهدّم ، فعمر على يد الأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار . طلائع بن رزيك : أبو الغارات الملك الصالح فارس المسلمين نصير الدين ، قدم في أوّل أمره إلى زيارة مشهد الإمام عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه بأرض النجف من العراق في جماعة من الفقراء ، وكان من الشيعة الإمامية ، وإمام مشهد عليّ رضي اللّه عنه يومئذ السيد ابن معصوم ، فزار طلائع وأصحابه وباتوا هنالك ، فرأى ابن معصوم في منامه عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه وهو يقول له : قد ورد عليك الليلة أربعون فقيرا ، من جملتهم رجل يقال له طلائع بن رزيك من أكبر محبينا ، قل له اذهب فقد وليناك مصر . فلما أصبح أمر أن ينادي : من فيكم طلائع بن رزيك فليقم إلى السيد ابن معصوم . فجاء طلائع وسلّم عليه ، فقصّ عليه ما رأى ، فسار حينئذ إلى مصر وترقى في الخدم حتى ولي منية بني خصيب ، فلما قتل نصر بن عباس ، الخليفة الظافر ، بعث نساء القصر إلى طلائع يستغثن به في الأخذ بثار الظافر ، وجعلن في طيّ الكتب شعور النساء ، فجمع طلائع عندما وردت عليه الكتب الناس ، وسار يريد القاهرة لمحاربة الوزير عباس ، فعندما قرب من البلد فرّ عباس ودخل طلائع إلى القاهرة ، فخلع عليه خلع الوزارة ونعت بالملك الصالح فارس المسلمين نصير الدين ، فباشر البلاد أحسن مباشرة ، واستبدّ بالأمر لصغر سنّ الخليفة الفائز بنصر اللّه إلى أن مات ، فأقام من بعده عبد اللّه بن محمد ولقبه بالعاضد لدين اللّه ، وبايع له ، وكان صغيرا لم يبلغ الحلم ، فقويت حرمة طلائع وازداد تمكنه من الدولة ، فثقل على أهل القصر لكثرة تضييقه عليهم ، واستبداده بالأمر دونهم ، فوقف له رجال بدهاليز القصر وضربوه حتى سقط على الأرض على وجهه ، وحمل جريحا لا يعي إلى داره ، فمات يوم الاثنين تاسع عشر شهر رمضان سنة ست وخمسين وخمسمائة ، وكان شجاعا كريما جوادا فاضلا محبا لأهل الأدب جيد الشعر ، رجل وقته فضلا وعقلا وسياسة وتدبيرا ، وكان مهابا في شكله ، عظيما في سطوته ، وجمع أموالا عظيمة ، وكان محافظا على الصلوات فرائضها ونوافلها ، شديد المغالاة في التشيع ، صنف كتابا سماه الاعتماد في الردّ على أهل العناد ، جمع له الفقهاء وناظرهم عليه ، وهو يتضمن إمامة عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، والكلام على الأحاديث الواردة في ذلك ، وله شعر كثير يشتمل على مجلدين في كلّ فن ، فمنه في اعتقاده : يا أمة سلكت ضلالا بينا * حتى استوى إقرارها وجحودها ملتم إلى أنّ المعاصي لم يكن * إلّا بتقدير الإله وجودها